محمد جواد مغنية
216
في ظلال نهج البلاغة
في كتبهم لذم البخل والبخلاء ، ومدح الجود والأجواد . والسر العسر والمعيشة الضنكى في ذاك العصر حيث الجائعون من كل بلد بالآلاف أو بالمئات . . هذا ، إلى أن المسافرين كانوا يسيرون أياما أو أشهرا على الأقدام أو على الحيوان ، ولا مطاعم وفنادق ، فلا بدع إذا كان لإطعام الطعام شأنه ووزنه ، ومن هنا ساوى رسول اللَّه ( ص ) بينه وبين السلام في قوله : « أفضل الأعمال إفشاء السلام ، وإطعام الطعام » . حتى الماء كان لباذله أجر وفضل على قدر عطش الظمآن ولهفته ، لتعذر الوصول إلى مجرى الماء ومصدره . . أما الآن ، وقد غيّر العلم الأرض ومن عليها وخطا بالبشرية خطوات يسرت لها العسير ، وقربت لها البعيد ، وحققت الكثير من مطالبها ، أما الآن فلم يعد لإطعام الطعام ونحوه ذاك الوزن والأثر الذي كان له من قبل . . وليس معنى هذا ان الكرم قد تحول عن طبيعته ونزل عن مرتبته ، وإنما يعني ان مظاهر الكرم قد تغيّرت وانتقلت من التعاون الفردي إلى التعاون الاجتماعي ، من إطعام الرغيف إلى بناء دار للأيتام ، ومستشفى للمعوزين ، ومدارس للمتعلمين ، ومن سقي الظمآن إلى ري الأراضي ، وتحويل الصحراء الجرداء إلى جنات وعيون ، ومعنى هذا أن معنى الكرم قد عمّ واتسع بعد أن كان ضيقا ومحدودا ، وان اسم الكريم قد تطور إلى اسم المصلح والمنقذ . ( والجبن منقصة ) لأن الجبان يرى المنكر فيتعامى عنه ، ويسمع دعوة الجهاد في سبيل اللَّه والحق فيصد عنها ، وإذا شكا اليه مظلوم أدار له ظهره ، وإذا أراد أن يتكلم خاف من النقد . . وهكذا يسلبه الخوف ما يملك من طاقات ، ويعيش حبيسا بين جدران الهواجس والأوهام بلا شخصية وإرادة ، ولا زهرة أو ثمرة إلا الهدير والثرثرة . . وهل علمت أو سمعت أن للجبان شأنا أو تاريخا . ( والفقر يخرس الفطن عن حجته ) لأن الفقر يضغط على العقل ، ويسد أمامه منافذ الرؤية . . اللهم إلا إذا كان للفقير هدف أعلى يضحي بحياته من أجله ، وينسى معه نفسه وبؤسه ، كطلب العلم أو الحرية لوطنه ، كما حدث لكثير من الفقراء المناضلين الأحرار . وتقدم الكلام عن الفقر مرات ويأتي أيضا . ( والمقل غريب في بلدته ) ومثله قول الإمام : « الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة » لأن من شأن الوطن أن يسهل لك العسير ، ويستجيب